محمد بن عمر التونسي
107
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
وحين رأى الخليفة ذلك ، خرج يقاتلهم بنفسه ؛ فكان كل من عرفه يعرض عنه إكراما له ولأبيه . وما زال يفعل كذلك ، حتى رأى جيشه انهزم ، وبقي هو في نفر قليل ؛ فلحق بجيشه فرأى [ أنه ] قد قتل أكثره ، وتبعتهم عساكر السلطان يأسرون ويسبون ، حتى أمسى المساء . وحكى لي من كان حاضرا : أنه وقت التحام القتال بينهما ، رأى النجوم في السماء ، وكان الوقت ضحى . ولقد شاهدت محلّ الوقعة ؛ فرأيته جدبا في وقت الربيع ، فسألت عن سبب ذلك ، فقيل لي : إنه لا ينبت فيه نبت لما سال فيه من الدماء . ثم إن الخليفة توجّه بأصحابه إلى الجهة الشمالية ، وترك السلطان بالجهة الجنوبية ، ولما انفرد الخليفة عن السلطان وأبعد « 1 » عنه ، ظلم وتعدّى « 2 » وجار ، وصار يخرج الناس معه قهرا عليهم ، وكلّما عثر بجواد ( 100 ) أخذه ، أو بمال استأصله . فاجتمع له بذلك مال عظيم ، وخلق كثيرون ؛ وعظم شرّه ، واستغاثت الناس منه إلى السلطان ، فأراد أن يتوجّه إليه بنفسه ، فمنعه أرباب دولته ، فكتب له كتابا يقول فيه : بعد ما يليق ، فإنك طغيت وبغيت ، وظلمت وتعدّيت ، وقد نصحتك أولا أن تحقن دماء الناس فأبيت ، وكان منّا ما كان ، والآن فقد استعنت على قتالنا بظلم العالم ، ونهب أموالهم ؛ وأنا أنصحك ثانيا أن تترك ما أنت عليه من الرّعونة والجبر والعتوّ ؛ فإن رجعت إلينا ثانيا قبلناك ، وجعلنا لك ما جعلناه أولا ، وإن
--> ( 1 ) كذا ، بدل : بعد . ( 2 ) في الأصل : وتعدا .